الإبادة العمرانيّة USF/

أحداث / الندوة الأولى من سلسلة ندوات "الإبادة العمرانيّة في غزّة: العنف المكانيّ، وإعادة الإعمار، والمقاومة" (كانون الثاني 2026)
big-img-news
بواسطةMada Admin | 4 فبراير 2026

الندوة الأولى من سلسلة ندوات "الإبادة العمرانيّة في غزّة: العنف المكانيّ، وإعادة الإعمار، والمقاومة" (كانون الثاني 2026)

عُقِدت يوم الخميس الماضي، 29/01/2026، الندوة الأولى من سلسلة ندوات "الإبادة العمرانيّة في غزّة: العنف المكانيّ، وإعادة الإعمار، والمقاومة"، افتراضيًّا عبْر منصّة زوم، بحضور أكثر من 150 مشاركًا من بلدات مختلفة من العالم.

في المداخلة الافتتاحيّة، قدّمت د. همّت زعبي، مديرة المشروع والباحثة المشارِكة في مدى الكرمل، تعريفًا تأطيريًّا وفكريًّا للمشروع، موضّحةً خلفيّاته وأسئلته ومَحاوره الأساسيّة، ومبيّنةً موقعه ضمن نقاش معرفيّ نقديّ يتناول العنف المكانيّ وتدمير العمران بوصفهما ممارسات سياسيّة ممنهَجة. انطلقت زعبي من التأكيد أنّ ما يجري في غزّة منذ تشرين الأوّل عام 2023 لا يمكن فَهْمه من خلال حجم الدمار أو عدد الضحايا فقط، ولا اختزاله في توصيف إنسانيّ، بل بوصفه نمطًا من العنف يعمل عبْر المكان ويستهدف شروط الحياة الجماعيّة ذاتها. فالتدمير، بحسب المداخلة، لا يُقصد به الإزالة المادّيّة فحسب، بل يُقصَد به كذلك فرض شروط جديدة للحياة تدمج فيها آثار الدمار ضمن نظام سياسيّ-مكانيّ جديد يحاول منع الاستئناف وإعادة الإنتاج.

وأوضحت زعبي أنّ المشروع ينطلق من غزّة بوصفها الموقع الأكثر كثافة لهذا العنف اليوم، لكنّه يربط ما يحدث فيها بتاريخ أطول من السياسات الاستعماريّة التي استهدفت العمران الفلسطينيّ منذ عام 1948، عبْر المحو، وإعادة التخطيط، ونزع السكن، والحَوْكَمة البيروقراطيّة والأَمنيّة للحياة. يضع المشروع هذا التحليل ضمن حقل معرفيّ عالميّ مع التأكيد على ضرورة إنتاج معرفة تنطلق من التجربة الفلسطينيّة وتتحاور مع النقاش العالميّ دون أن تُختزَل فيه.

وتوقفّت زعبي عند اختيار ترجمة مفهوم ""urbicide إلى «إبادة عمرانيّة»، معتبرةً أنّ الترجمات الشائعة -نحو: «إبادة المدينة» أو «إبادة مدينيّة»- تبقى محدودة؛ وذلك أنّها تحصر العنف إمّا في المدينة بوصفها شكلًا مكانيًّا أو في المدينيّة كنمط عيش. في المقابل، أوضحت أنّ مفهوم "العمران"، في جذوره اللُّغويّة والفكريّة، ولا سيّما في التراث الفكريّ العربيّ عند ابن خلدون، يحيل إلى الاجتماع الإنسانيّ ذاته بوصفه شرط الاستقرار وتنظيم الحياة في المكان، بما يشمل المدينة والقرية والمخيّم وسائر أشكال السكن المنظَّم. ومن هذا المنطلَق، تتيح الترجمة "إبادة عمرانيّة" فَهْم العنف بوصفه استهدافًا مقصودًا لشرط الحياة الجماعيّة وإمكان إعادة إنتاجها، لا مجرّد تدمير مبانٍ أو أنماط عيش. وأكّدت زعبي أنّ هذا الفَهم يشكّل الإطارَ التحليليَّ الذي يمكّن من مقاربة ما يجري في غزّة اليوم، حيث لا يمكن استيعاب طبيعة العنف القائم من خلال مفاهيم جزئيّة، بل من خلال مفهوم يحيط بتدمير شروط السكن، والاستقرار، والاستمراريّة، وإعادة بناء الحياة نفسها، وهو ما يؤطّر فَهْم المشروع بأكمله.

وفي مداخلة د. أباهر السقّا، عميد كلّيّة الآداب في جامعة بير زيت، التي حملت العنوان "الإبادة الحضريّة والمعماريّة في غزّة: قراءة سوسيو_تاريخيّة"، تتبَّعَ سوسيوتاريخيّة الإبادات الحضريّة والمعماريّة التي تعرَّضَ لها لواء غزّة قبل ما يقارب قَرن من الزمن، مع تركيز على التبدُّلات الأساسيّة منذ عام 1948 التي أدّت إلى تبدُّلات عميقة على المشهد الحضريّ والمعماريّ في مدينة غزّة. من خلال استعراض الإبادات التي تعرّضت لها مدينة غزّة، تطرّقَ السقّا أيضًا إلى قدرة مجتمع قِطاع غزّة على الاستمرار في الحياة بناء على شبكة من العلاقات الاجتماعيّة التي سمحت للناس بالبقاء.

وفي تطرُّقه إلى حرب الإبادة على غزّة، التي بدأت في تشرين الأوّل عام 2023، والتي تختلف عن كلّ ما سبقها، ركّز السقّا على استهداف للأَحْيِزة العامّة، وكذلك الأَحْيِزة الخاصّة والحميمة، ومن ضمنها استهداف للعائلة؛ وهو ما نتج عنه محو آلاف من العائلات بأكملها من السجلّ المدنيّ. يرى السقّا أنّ إبادة المكان والمنازل والمقابر والمعالم التاريخيّة والأبراج السكّانيّة، وحرق البيوت التي لم يتمكّن جيش الاحتلال من هدمها، هي استهداف ممنهَج يبتغي إبادة الذاكرة ذاتها. وأضاف أنّ ما يُستهدف اليوم، من خلال القصف والهدم والحرق، يرمي إلى المسّ بقدرة العيش المشترَك والتقاسم والمسانَدة وبالتالي الكرامة الإنسانيّة وإنسانيّة العائلة، وهو كذلك محاولة لمحو فكرة الحياة ذاتها إلى جانب محو ذاكرة المدينة.

أمّا المداخَلة الثانية، فقد كانت بعنوان "المدينيّة المعطَّلة في الاستيطان الاستعماريّ: التخطيط بما هو إبادة عمرانيّة"، وقدّمها الباحث والأكاديميّ عبد الله البياري. انطلقت المداخلة من أطروحة ترى في الإبادة العمرانيّة عمليّة استعماريّة بنيويّة لا تقتصر على التدمير المادّيّ للبيئة المبنيّة، بل تستهدف نفي إمكانيّة الجماعة الفلسطينيّة لأن تكون جماعة مدينيّة حديثة قادرة على إنتاج عمرانها ومعانيها وسيادتها. وبيّنت المداخَلة كيف يُستخدَم التخطيط الاستعماريّ بوصفه لحظة تأسيسيّة للهدم والمحو والإقصاء، حيث يغدو التخطيط ذاته أداة للإبادة، والمجال وسيلة لإخضاع الجماعة وتعطيل زمنها. توقّف البياري عند غزّة بوصفها المثال الأوضح لهذا النمط، حيث تتقاطع سياسات القصف والحصار والتفكيك الوظيفيّ مع تجميد الزمن ومنع التراكم وإعادة التنظيم الذاتيّ، ليغدو الزمن نفسه أداة حرب تسرِّع الموت وتبطّئ مسارات الحياة. وأكّدت المداخلة أنّ غزّة ليست استثناءً، بل لحظة مكثّفة امتدادًا لخرائط تخطيطيّة استعماريّة أوسع تتجلّى في يافا، والضفّة الغربيّة، وبئر السبع، وغيرها، حيث يُنتَج فضاء حضريّ مفكَّك يَحُول دون تشكُّل مجال فلسطينيّ سياديّ. وفي ختامها، طرحت المداخلة مفهوم الإبادة المدينيّة كمدخل نقديّ مناهض للكولونياليّة لإعادة فَهْم السياسات الحضريّة بوصفها أدوات هَيْمَنة، وفي الوقت ذاته كأفق للتفكير في فاعليّة مدينيّة مضادّة تنبثق من الهدم والمحو، وتتحدّى مفاهيم الحداثة والمدينة والإنسان.

تلا المداخلاتِ نقاشٌ مع الجمهور تناول أبعادًا مفاهيميّة وسياسيّة وتخطيطيّة مرتبطة بفكرة الإبادة العمرانيّة، والعنف المكانيّ، وإمكانات إعادة الإعمار والمقاومة.

تأتي هذه الندوة ضمن سلسلة ندوات "الإبادة العمرانيّة في غزّة: العنف المكانيّ، وإعادة الإعمار، والمقاومة".

لمعاينة تفاصيل الندوات القادمة، يرجى الضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل الندوة، يرجى الضغط هنا.
للاستزادة بشأن المشروع، يرجى الضغط هنا.

الاكثر قراءة